محمد بن ابراهيم النفزي الرندي
212
غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية
اما ترى ما حلّ بي أما ترى * أما ترى الذي بنا أما ترى فسمعه بعضهم فجمع له كسرا ودفعها إليه ، فقال له : إليك عني ، لو كان معي شيء لما أمكنني أن أقول هذا القول . قال في التنوير : « وفي البلايا والفاقات من أسرار الألطاف ما لا يفهمه إلّا أولوا البصائر ، ألم تر أن البلاء تخمد النفوس وتذهلها وتدهشها عن طلب حظوظها ، ويقع مع البلايا وجدان الذلة ، ومع الذلة ، تكون النّصرة وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ [ آل عمران : 123 ] . قال أبو إسحاق إبراهيم الهروي « 1 » ، رضي اللّه عنه : « من أراد أن يبلغ الشرف كلّ الشرف فليختر سبعا على سبع ؛ فإنّ الصالحين اختاروها حتى بلغوا سنام « 2 » الخير : وهي أن يختار الفقر على الغنى ، والجوع على الشبع ، والدون على الرفع ، والذلّ على العز ، والتواضع على الكبر والحزن على الفرح ، والموت على الحياة . وقد تقدّم عند قول المؤلف « من ظنّ انفكاك لطفه عن قدره فذلك لقصور نظره » الشفاء في هذا المعنى ؛ فواجب إذن أن يكون ورود الفاقات أعياد المريدين ، كما قال المؤلف . فإذا فقدوا ذلك بمؤاتاة الأسباب استشعروا بذلك وجود الحجاب وبعدهم عن محلّ الاقتراب ، فحزنوا لذلك وتأسّفوا وودّوا لو عاد إليهم الحال الأول ، ومن هذا المعنى ما حكى عن « خيّر النساج » رضي اللّه تعالى عنه ، قال : « دخلت بعض المساجد فإذا فيه فقير ، فلما رآني تعلق بي وقال : أيها الشيخ تعطّف عليّ ؛ فإن محنتي عظيمة ، فقلت : وما هي ؟ قال : فقدت البلاء وفزت بالعافية ! ! فنظرت ، فإذا هو قد فتح عليه شيء من الدنيا » . وقال بعضهم : « إنّ الفقير الصادق ليحترز من الغنى حذرا أن يدخله الغنى فيفسد عليه فقره » كما أن الغنى من الفقر حذرا أن يدخل عليه الفقر فيفسد عليه غناه . وقد تقدّم من حكايات عطاء السلمي ، وفتح الموصلي ، والفضيل بن عياض ، والربيع بن خيثم رضي اللّه عنهم ما يوافق ما ذكرناه . وأنشدوا في ذكر أعياد المريدين والعارفين ، وقيل إنها لأبي عليّ الروذباري ، رضي اللّه تعالى عنه : قالوا غدا العيد ماذا أنت لابسه * فقلت خلعة ساق حبّه جرعا فقر وصبر هما ثوباي تحتهما * قلب يرى إلفه الأعياد والجمعا
--> ( 1 ) هو إبراهيم بن عبد اللّه بن حاتم الهروي ، أبو إسحاق نزيل بغداد ، شيخ ثقة ثبت وقيل : ضعيف روى عن بشر بن المفضل وعن غيره ، وروى عنه الترمذي وابن ماجة وغيرهما . مات بسر من رأى سنة أربع وأربعين ومائتين في رمضان وقيل : في شعبان . ( تهذيب الكمال 1 / 371 ) . ( 2 ) السنام : من كل شيء : أعلاه .